مصطفى صادق الرافعي

40

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

والمراء أو شيء مما يجري هذا المجرى ، فلا يلبث أن يأخذ بها دون الصحيح . ويتقلّد أمرها على وهنه واضطرابه ، فيتعسر الكلام فيها « 1 » ، ويبالغ في النضح عنها والدفع لما عداها ، ويتكلف لتصحيح هذا الفساد كما يتكلف لإفساد الصحيح وتوهينه ؛ من ثمّ ينشأ من العلم علم آخر لم يكن قبل إلا حاجة من التمثيل به لغيره ؛ فاتسع حتى صار في حاجة إلى التمثيل له بغيره . كذلك نشأت القراءات الغريبة في رأينا ، فإن هذا الشاذ وهذا الضعيف وهذا المنكر مما لا تحسبه كان معروفا متلقى بالإسناد الذي لا مغمز فيه وإن لم يقرأ به أصحابه إلا على أنه معروف موثق الأسانيد . ولا بد أن تكون قد شذت وجوه كثيرة من القراءات قبل مصحف عثمان ، وخاصة فيمن يقرأ من عرب الأمصار من الأوشاب المستضعفين الذين لم تخلص فطرتهم ولم تتوقّح طباعهم ، وكل أولئك قد كان لهم في احيائهم من يقرئهم القرآن ، فإن كان قد وقع أمر من ذلك لأصحاب القراءات ومن يتتبعون وجوهها فأخذا به لأنه عن متقدم يسنده أو يزعمه صحيحا عمن يسنده فذلك أيضا قول ومذهب . والعلماء على أن القراءات متواترة وآحاد وشاذة . وجعلوا المتواتر السبع والآحاد الثلاث المتممة لعشرها ثم ما يكون من قراءات الصحابة - رضي اللّه عنهم مما لا يوافق ذلك « 2 » . وما بقي فهو شاذ . والقياس عندهم موافقة القراءة للعربية بوجه من الوجوه ، سواء كان أفصح أم فصيحا ، مجمعا عليه أم مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله ؛ لأن القراءة سنّة متّبعة ، يلزم قبولها ؛ والمصير إليها بالإسناد لا بالرأي . ثم يشترط في تلك القراءة أن توافق أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا « 3 » ، وأن تكون مع ذلك صحيحة الإسناد ، فإن اجتمعت الأركان الثلاثة : موافقة العربية ، ورسم المصحف ، وصحة السند ؛ فتلك هي القراءة الصحيحة ، ومتى اختلّ ركن منها أو أكثر أطلق عليها أنها ضعيفة أو شاذة أو باطلة ؛ ولتجيء بعد ذلك عن كائن من كان .

--> ( 1 ) أن يتكلم به من غير أن يروي فيه ويقدر صوابه من خطئه . ( 2 ) في بعض الأقوال إن العشرة متواترة ولكنا نأخذ في هذا بالأضيق الأحوط . ( 3 ) يقال إن نسخ المصاحف العثمانية تختلف بعض الاختلافات ؛ ومما وقفنا عليه من أمثلة ذلك ما ذكره ابن الجوزي إمام القراء المتأخرين المتوفى سنة 823 ه أن ابن عامر قرأ : قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً وقراءة غيره وَقالُوا بزيادة الواو ؛ وأن ذلك أي حذف الواو . ثابت في المصحف الشامي ؛ وقال إن ابن كثير يقرأ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وقراءة غيره « تجري تحتها الأنهار » وقراءة ابن كثير ثابت في المصحف المكي ؛ والمراد بالموافقة الاجتماعية ما يكون من نحو قراءة مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فإن لفظة ( مالك ) كتبت في جميع المصاحف بحذف الألف فتقرأ ( ملك ) وهي توافق الرسم تحقيقا وتقرأ مالك وهي توافقه احتمالا .